الخميس، 29 يناير 2009

الموت الأحمر

حفلة الموت الأحمر التنكرية

للكاتب إدجار آلن بو (Edgar Allan Poe)
ترجمة : بدر العوفي
منذ زمن بعيد وطاعون "الموت الأحمر" يهلك الحرث والنسل في هذه البلاد ، إذ ما من وباء كان ليضاهي فداحته و بشاعته أبدا، فقد كان يتجسد بالدماء أما علامته فقد كانت إحمرار الدم ورعبه، ويصاحب هجومه الشرس آلام شديدة ودوار مفاجئ يتبعه نزيف حاد، أما البقع القرمزية التي يخلفها على الجسم وخاصة تلك المنطبعة على وجه الضحية فقد كانت بمثابة الوباء اللعين الذي يحول دون وصول المساعدة إليه أو حتى من إشفاق أصحابه عليه، بيد أن هذه النوبة المرضية بأكملها من تطورها حتى انتهاءها لا تتعدى زهاء أحداث نصف ساعة من الزمن!
ورغم هذا الرعب الذي كان يزرعه الموت الأحمر في النفوس إلا أن أمير البلاد، بروسبيرو لم يكن مكترثا لذلك، إذ عندما فتك هذا المرض اللعين بنصف سكان أراضيه الخاصة دعا إلى حضرته أكثر من ألف صديق من بين فرسان قصره الأصحاء ونساءه الحسناوات، واختلى بنفسه بعيدًا مع هؤلاء المدعوين في إحدى أجمل كنائسه الحصينة وأوسعها حيث كان هذا الذوق الغريب والمهيب نِتاج إبداع الأمير نفسه، لقد كانت الكنيسة مسوّرة بجدار منيع وشامخ وتحرسها بوابات حديدية، وفور دخول رجال الحاشية إلى الكنيسة أحضروا الأفران الملتهبة والمطارق الضخمة وقاموا بلحام الأقفال سعيا إلى إحباط أدنى وسيلة للدخول إليها أو الخروج منها لأي سبب كان، كما تم توفير جميع المؤن الضرورية داخل الكنيسة، حيث سيتسنى لرجال الحاشية الآن تحدى العدوى بهذه التدابير الوقائية، أما العالم الخارجي فبإمكانه الاعتناء بنفسه، ذلك أن مجرد الحزن على أولئك القابعين في الخارج أو التفكير بحالهم لا يعدو كونه حماقة كبرى، والفضل في هذا يرجع إلى الأمير حيث قام بتوفير جميع سبل الراحة والترفيه من مرتجلين وراقصات البالية وعازفي الموسيقى والحسناوات والشراب، وجميع هذه المظاهر كانت بمأمن في الداخل أما في الخارج فقد كان يقبع "الموت الأحمر".
وعندما اقتربت عزلة الأمير في داخل كنيسته من شهرها الخامس أو السادس قام باستضافة أصدقاءه الألف لحضور حفلة رقص تنكرية لم يسبق لها مثيل. لقد كانت هذه الحفلة التنكرية مسرحا مثيرًا للحواس، لكن في البداية اسمحوا لي أن أخذكم في جولة داخل القاعات التي أُحيت فيها هذه الحفلة، لقد كنُّ سبع قاعات أو بالأحرى جناحًا إمبراطوريًا ضخمًا، إن أجنحة كهذه في العديد من القصور تشكل أفقًا طويلاً وممتدا تترامى على جدرانه الأبواب على كلا الجهتين من دون أن تتيح لأي شيء بإعاقة منظر النطاق. بيد أن الأمر في هذا القصر بالذات يختلف تمامًا عما هو معتاد وهو ما يمكن توقعه من حب الدوق للغرائب، فقد كانت هذه الغرف موزعة بطريقة غير متناسقة مطلقةً العنان للبصر بمعانقتها بشدة مرة بعد مرة لينتهي بها المطاف باستدارة حادة إلى اليمين وأخرى إلى اليسار بحيث تتوسط كل جدار نافذة طوقية طويلة وضيقة تطل على ممر مغلق يتتبع التفافات الجناح، لقد كانت هذه النوافذ مصنوعة من زجاج تتفاوت ألوانه طبقا للون الزخرفة السائد في الغرفة التي تفتح بداخلها هذه النافذة، فعلى سبيل المثال، كانت الغرفة في أقصى الشمال تتشح باللون الأزرق الزاهي وكذا كانت نوافذها زرقاء مشرقة، أما في الغرفة الثانية فقد كانت حليها وأقمشتها تزدان باللون الأرجواني ، لذلك كان اللون الأرجواني منعكسا على ألواح نوافذها الزجاجية، الغرفة الثالثة كانت خضراء نظرة وكذلك كانت نوافذها البابية، أما الغرفة الرابعة فقد كان أثاثها يشع بلون أزرق باهي ... الغرفة الخامسة بيضاء كشعاع الشمس والسادسة بلون أزهار البنفسج، أما الغرفة السابعة والأخيرة فقد غُطيت بعناية فائقة بأقمشة النجود المخملية الداكنة التي كانت تتدلى من أعلى سقف الغرفة لتعانق الحيطان ومن ثم تهوي بشكل لفافات ثقيلة على سجادة مصنوعة من اللون والمواد ذاتها، بيد أن لون النوافذ في هذه الغرفة-فقط- أخفق في الانسجام مع زخارفها، لقد كانت قرمزية كلون الدم الأحمر القاني، وبالرغم مما تتمتع به هذه الغرف السبع من أجواء احتفالية ووسط كل تلك الحلي والمجوهرات الذهبية المنتشرة هنا وهناك والمتدلية من أسقفها إلا أن أياً منها لم يكن بداخلها شمعدان أو مصباح مضيء، لقد كان المكان يفتقر لأدنى مصدر ضوئي، ولكن في ممرات الجناح وقبالة كل نافذة كان هناك مشعل يسلط أشعته المتوهجة عبر الألواح الزجاجية الملونة ليضيء الغرفة بوهجه الساطع، لقد شكلت هذه الأجواء المتداخلة العديد من المظاهر المبهرجة والرائعة، ولكن وهج النار في الغرفة الغربية أو الخلفية كان فضيعًا إلى أبعد الحدود، فقد كان ينسدل على الستائر الداكنة عبر الألواح المتشحة بلون الدم وهو أمر بعث في نفوس أولئك الذين دخلوها نظرة موحشةً جدًا، لذلك لم يكن بداخلها سوى عدد بسيط جدا ممن كانت لديهم الجسارة الكافية لأخذ موضع قدم داخل فناءها.
وقبالة الحائط الشرقي لهذه الغرفة أيضا تنتصب ساعة عملاقة مصنوعة من خشب الأبنوس، يتراقص بندولها جيئةً وذهابًا محدثًا ضجيجًا رتيبًا وثقيلاً ومملاً، وما أن يكمل عقرب دقائقها دورته الزمنية وتتأهب هي لتطلق نغماتها حتى يصدر من رئتيها النحاسيتين صوتٌ واضحٌ وقوي، عميقٌ وموسيقي، ولكنه يتسم بنغمة غريبةٍ جدًا، نغمة تجعل عازفي الأوركسترا يتوقفون رغما عنهم عن عزف مقطوعاتهم الشجية لبرهة من الزمن مع انقضاء كل ساعة زمنية لينصتوا بإمعان إلى ذلك الصوت الأمر الذي يدفع الراقصين كذلك إلى التوقف بسبب تلك الربكة القصيرة التي قاطعة نفوسهم المرحة في حين أن الساعة لا تزال مستمرة في مخاضها الموسيقي، في هذه اللحظة بالذات تنمو ملامح الشحوب على محيى أكثر المحتفلين استهتارًا، أما أولئك المسنين والرصينين فقد جعلوا أياديهم تحلّق فوق جباههم كما لو كانوا مستغرقين في تفكير حالم أو تأمل مشوش، ولكن ما أن تتوقف الأصداء بالكامل حتى تخترق ضحكة خفيفة جموع الحاضرين ويتبادل بعدها العازفون النظرات فيما بينهم ويرسمون الابتسامات على شفاههم كما لو كانوا يسخرون من حماقتهم ونوبة الارتباك التي ألمت بهم، وهنا يهمس الواحد منهم للآخر واعدًا إياه بأن الدقات القادمة يجب أن لا تحرك فيهم مثل هذه المشاعر ثانية، وهكذا يمر الوقت سريعا وتنقضي معه ستون دقيقة أي ما يعادل ثلاثة آلاف وستمائة ثانية من الوقت الذي مضى لتمطر الساعة المكان بدقاتها المدوية محدثة بذلك نفس الإرباك والرعشة والتأمل كالسابق.
ولكن بالرغم من هذه الأجواء المشحونة والمشدودة إلا أن الحفلة كانت تعج بألوان المرح الصاخب، فالمحتفلون يعلمون أن للدوق أذواقا غريبة وحسًا مرهفًا جدًا في انتقاء التأثيرات اللونية والصوتية، وهو من أولئك الذين لا يستسيغون الأعمال الزخرفية المجردة، فمخططاته تتسم بالجرأة ومفاهيمه في الحياة تتوهج بلمعةٍ بربرية، وقد حدا هذا الأمر بالبعض منهم إلى الاعتقاد بأن الجنون قد مس الأمير، إلا أن أتباعه المخلصين لا يرون فيه ذلك رغم ضرورة الاستماع إليه ورؤيته أو حتى لمسه للتأكد من أنه بكامل قواه العقلية.
واحتفاءً بهذه المناسبة العظيمة قام الدوق بنفسه بالإشراف على الجزء الأكبر من هذه الزخارف المتحركة في الغرف السبع، كما أنه هو شخصيًا وجّه جميع المحتفلين على تقمص شخصياتهم التنكرية حسب ذوقه الخاص، حيث شدد على أهمية ظهورهم بشكل مشوه، لقد كان المكان مشوبًا بالكثير من الوهج والتألق، بالإثارة والخيال، بمثل تلك المناظر التي شوهد معظمها في مسرحية "هيرناني"، هناك زخارف من الأرابسك لها تفرعات وعلامات غير متناسقة، كما أن هناك أزياء تنكرية غريبة جدًا كتلك الملابس التي يرتديها المجانين، لقد كانت الحفلة تعج بالكثير من المحتفلين الأنيقين، العديد من المستهترين، وغيرهم من غريبي الأطوار وبضعة من الفظيعين وليس بقليل من ذلك أولئك الذين قد تكون صورهم مدعاة للتقزز. في الواقع، كانت هناك أشكالا متعددة من الأحلام تطوف بداخل الغرف السبع جيئةً وذهابا، لقد كان الحالمون يتلوون داخل هذه الغرف وخارجها، يسلبون منها ألوانها المتداخلة حتى أن موسيقى الأوركسترا الصاخبة كانت لتبدو كصدى وقع أقدامهم. وعما قريب تزفر الساعة المنتصبة في غرفة الأقمشة المخملية بدقاتها المعتادة، عندها، وللحظة قصيرة، يسكن الجميع، ويخيم صمت عميق على الجميع ما عدا صوت الساعة، وينتصب الحالمون كجثث هامدة، ولكن لا تلبث أصداء الرنين طويلا حتى تذبل...إنه شيء لا يطاق... وما أن تخمد هذه الأصداء حتى يتبع رحيلها ضحكة يمتزج فيها اللطف والقهر، في هذه الأثناء تصدح الموسيقى بصداها عاليا وتنتعش أرواح الحالمين وهم يجوبون الغرف جيئة وذهابا بمرح أكثر من ذي قبل لتتلون أجسادهم بألوان النوافذ ووهج المشاعل، في هذه الأثناء تخلو الغرفة في أقصى الجهة الغربية من مرتاديها الذين خاطروا بأرواحهم لدخولها، لقد بدأ الليل بإسدال ستاره المعتم على الغرفة، كما أن هناك ضوءً متورداً ينبثق من خلال الزجاج الملطخ بلون الدم، والأقمشة المخملية تبدو مرعبة جدا وسط هذه العتمة، كما أن أولئك الذين وضعوا أقدامهم على السجادة الداكنة أحسوا بتلك الجلجلة المكتومة التي تحدثها ساعة الأبنوس والتي حملت في طياتها رهبة مثيرة أكثر من أي شيء التقطته مسامعهم أثناء انغماسهم في ملذات الغرف البعيدة ومباهجها.
بيد أن الحال في الغرف الأخرى كان مغايرا تماما، فجميعها يعج بالمحتفلين ودبيب الحياة ينتشر في جميع أوصالها، ولا يزال الفرح يغمر المكان، حتى إذا ما مضى وقت طويل تبدأ بعده الساعة بترديد أصداء منتصف الليل، عندها تحبس الموسيقى أنفاسها حسبما ذكرت آنفا، ويهدأ نشاط الراقصين ويخيم على المكان سكون مضطرب في كل شيء كالسابق، ولكن في هذه المرة سيصدر جرس الساعة اثني عشرة دقة، وهكذا بدأ العد لتتزاحم معه الكثير من الأفكار ويمتد معه الاستغراق في التأمل وسط أولئك المعربدين، وهكذا قبل أن تغرق آخر أصداء الدقة الأخيرة في صمت عميق كان هناك العديد من المحتشدين الذين ما أن أحسوا بالراحة حتى انتبهوا لوجود شخص مقنع لم يلفت انتباه أي منهم من ذي قبل، وبدأت إشاعة ظهور هذا الزائر الجديد بالانتشار في جميع الأروقة، ولم يحدث أزيز المحتفلين وهمهمتهم بهذه الإشاعة تقززا فقط بل ورعبا مخيفا أيضا.
في خضم هذه المفارقة المجتمعة للأوهام التي قمت برسمها يمكن القول بأن ما من مظهر عادي قد يثير مثل هذه الأحاسيس، بل إن الحقيقة عارية أمام لا محدودية حرية التنكر في هذه الليلة، بَيْدَ أن الشخص المشبوه قد فاق هيروديد هيرود وتعدى كثيرا حدود الحشمة التنكرية لشخص الأمير نفسه، لقد انتابت قلوب أكثر الحاضرين تهورا عاطفة جياشة لا يمكن مجابهتها ببرودة أعصاب، حتى أن أولئك البائسين تماما ممن يعتبرون الحياة والموت دعابتان متشابهتان يؤمنون بوجود أمور يستحيل المزاح فيها. وبالفعل طاف على الجميع شعور عميق بأن ملابس الغريب ومغزاه من هذا التنكر لا ينمان عن خفة دم ولا أدب ظاهر، فهذا الشكل البشري الطويل والهزيل مكفن من رأسه إلى أخمص قدميه بأكفان المقابر، أما القناع الذي يواري خلفه صفحة وجهه فقد صُنع بطريقة تشبه ملامح جثة متيبسة يصعب على أدق الفحوص اكتشاف الخدعة التي عملت بها، ومع ذلك كان بإمكان المعربدين الغاضبين في الجوار تحمل هذا النوع من الدعابات وإن لم يستسيغوها لولا تمادي هذا المهرج المتنكر في طريقة تنكره إلى درجة أنهم شبهوه بأحد أنواع الموت الأحمر، فقد كان رداءه يعتصر دما، أما حاجبه الواسع وجميع ملامح وجهه كانت تمطر رعباً قرمزيا.
لقد لاحظ الجميع ما آل إليه حال الأمير بروسبيرو من اضطراب عندما ألقى بناظريه على هذه الصورة الطيفية وهي تتحرك ببطء وهيبة وتخطوا بشموخ جيئة وذهابا بين الراقصين وكأنها تؤدي دورها ببراعة تامة، ففي اللحظة الأولى انتابته قشعريرة قوية ساقتها الرهبة والتقزز، أما في اللحظة التالية فقد استشاط غضبا وزمجر بصوته الأجش :" من ذا الذي يجرا؟ "، موجها سؤاله إلى خدمه الواقفين بقربه: " من ذا الذي يجرأ على إهانتنا بهذه المهزلة الكافرة؟ امسكوا به، واخلعوا عنه قناعه لنتعرف على هذا الذي سنعلقه من على شرفات الكنيسة عند شروق الشمس".
لقد كان الأمير بروسبيرو في الغرفة الزرقاء عندما أطلق تلك الصيحات التي دوى صداها بشدة ووضوح جميع أرجاء الغرف السبع، ولا عجب في ذلك فالجميع يشهد بشجاعة الأمير وغلظته، إذ بمجرد أن لوح بيده في الهواء حتى حبست الموسيقى أنفاسها.
وقف الأمير في الغرفة الزرقاء وإلى جانبه مجموعة من أفراد حاشيته وقد كسا الشحوب وجوههم، في البداية وأثناء ما كان الأمير يتكلم هرعت جماعته بحركة خفيفة تجاه الشخص الدخيل الذي كان في هذه اللحظة أيضا قريبا من قبضتهم وهو يهم بخطى حثيثة وثابتة ليدنو من الأمير، ولكن كان لتلك الهيبة الغامضة التي فرضتها تلك الإشاعة بتخيلاتها المجنونة على الجميع لم تتح لأي منهم المجال لأن يحرك ساكنا للقبض عليه، وهكذا وبدون أية إعاقة عبر المتنكر فناء شخص الأمير ذاته، وبينما كانت الجموع الغفيرة تندفع كموجة ممتدة من أواسط الغرف إلى جدرانها كان الدخيل يشق طريقه دون عناء وبنفس الخطى المهيبة والمدروسة التي ميزته منذ البداية مارًا عبر الغرفة الزرقاء إلى الأرجوانية ومن الأرجوانية إلى الخضراء ومن الخضراء إلى البرتقالية وعبر هذه الغرفة إلى البيضاء وحتى من هناك إلى البنفسجية قبل أن تكون هناك حركة حازمة لاعتقاله، عندئذ جن جنون الأمير بروسبيرو وهو يرى عار الجبن وقد لحق به في تلك اللحظة لينطلق مسرعا كسهم أفلت من قوسه عبر الغرف الست، ولكن تلك الرهبة القاتلة التي ألمت بالجميع لم تسعف أحدا منهم على اللحاق بصاحبهم، حينها استل الأمير خنجره المغمود عاليا ودنى سريعا بمقدار ثلاثة أقدام أو أربعة من الشخص الدخيل، ولكن عندما وصل هذا الأخير إلى آخر أتون الغرفة المخملية استدار فجأة ليواجه الشخص الذي يطارده... هناك..انطلقت صرخة شديدة سقط إثرها الخنجر اللامع على السجادة الداكنة التي ما لبثت هي الأخرى حتى خر عليها الأمير بروسبيرو ميتا، واستجمع المحتفلون قواهم البائسة وألقوا بأجسادهم دفعة واحدة داخل الغرفة السوداء وهموا بإحكام قبضتهم على المتنكر الذي مازال هيكله الفارع والنحيل منتصبا بلا حراك تحت ظل ساعة الأبنوس، إلا أنهم صعقوا جميعا عندما رؤى الأكفان والجثة- حالها حال القناع الذي تنازعون بينهم بعنف- ليتبينوا في نهاية المطاف أن ما من جسد ملموس بداخلها!
وتيقن الجميع الآن من وجود الموت الأحمر بينهم، فقد تسلل إليهم كلص في غياهب الليل، واخذ يلقي بالمعربدين الواحد تلوى الآخر في القاعات المضرجة بالدماء وكل منهم يسقط أرضا يموت على تلك الحالة المزرية لسقوطه أرضا. ومع آخر ألوان المرح تلفظ الساعة أنفاسها الأخيرة وتخمد ألسنة المشاعل ويسدل الظلام عتمته الموحشة ويعم الخراب والدمار في كل مكان ويبسط الموت الأحمر هيمنة مطلقة على كل شيء.

الأحد، 25 يناير 2009

ماذا تبقى من أرض الأنبياء؟

ماذا تبقى من أرض الأنبياء؟


ماذا تبقى من بلاد الأنبياء..

لا شيء غير النجمة السوداء
ترتع في السماء..
لا شيء غير مواكب القتلى
وأنات النساء
لا شيء غير سيوف داحس التي
غرست سهام الموت في الغبراء
لا شيء غير دماء آل البيت
مازالت تحاصر كربلاء
فالكون تابوت..
عين الشمس مشنقةُ
تاريخ العروبة
سيف بطش أو دماء..
ماذا تبقى من بلاد الأنبياء
خمسون عاماً
والحناجر تملأ الدنيا ضجيجاً
ثم تبتلع الهواء..
خمسون عاماً
والفوارس تحت أقدام الخيول
تئن في كمد.. وتصرخ في استياء
خمسون عاماً
في المزاد وكل جلاد يحدق في الغنيمة
ثم ينهب ما يشاء
خمسون عاماً
والزمان يدور في سأم بنا
فإذا تعثرت الخطى
عدنا نهرول كالقطيع إلى الوراء..
خمسون عاماً
نشرب الأنخاب من زمن الهزائم
نغرق الدنيا دموعاً بالتعازي والرثاء
حتى السماء الآن تغلق بابها
سئمت دعاء العاجزين
وهل تُرى يجدي مع السفه الدعاء..
ماذا تبقى من بلاد الأنبياء؟
أترى رأيتم كيف بدلت الخيول
صهيلها في مهرجان العجز…
واختنقت بنوبات البكاء..
أترى رأيتم كيف تحترف الشعوب الموت
كيف تذوب عشقاً في الفناء
أطفالنا في كل صبح
يرسمون على جدار العمر
خيلاً لا تجيء..
وطيف قنديل تناثر في الفضاء..
والنجمة السوداء
ترتع فوق أشلاء الصليب
تغوص في دم المآذن
تسرق الضحكات من عين الصغار الأبرياء
ماذا تبقى من بلاد الأنبياء؟
ما بين أوسلو والولائم.. والموائد والتهاني.. والغناء
ماتت فلسطين الحزينة
فاجمعوا الأبناء
حول رفاتها وابكوا كما تبكي النساء
خلعوا ثياب القدس
ألقوا سرها المكنون في قلب العراء
قاموا عليها كالقطيع..
ترنح الجسد الهزيل
تلوثت بالدم أرض الجنة العذراء..
كانت تحدق في الموائد والسكارى حولها
يتمايلون بنشوة
ويقبلون النجمة السوداء
نشروا على الشاشات نعياً دامياً
وعلى الرفات تعانق الأبناء والأعداء
وتقبلوا فيها العزاء..
وأمامها اختلطت وجوه النساء
صاروا في ملامحهم سواء
ماتت بأيدي العابثين مدينة الشهداء
ماذا تبقى من بلاد الأنبياء؟
في حانة التطبيع يسكر ألف دجال
وبين كؤوسهم تنهار أوطان..
ويسقط كبرياء
لم يتركوا السمسار يعبث في الخفاء
حملوه بين الناس في البارات.. في الطرقات..
في الشاشات في الأوكار..
في دور العبادة في قبور الأولياء
يتسللون على دروب العار
ينكفئون في صخب المزاد
ويرفعون الراية البيضاء..
ماذا سيبقى من سيوف القهر
والزمن المدنس بالخطايا
غير ألوان البلاء
ماذا سيبقى من شعوب
لم تعد أبداً تفرق بين بيت الصلاة..
وبين وكر للبغاء
النجمة السوداء ألقت نارها فوق النخيل
فغاب ضوء الشمس..
جف العشب واختفت عيون الماء
ماذا تبقى من بلاد الأنبياء؟
ماتت من الصمت الطويل خيولنا الخرساء
وعلى بقايا مجدها المصلوب ترتع نجمة سوداء
فالعجز يحصد بالردى أشجارنا الخضراء
لا شيء يبدو الآن بين ربوعنا
غير الشتات.. وفرقة الأبناء
والدهر يرسم صورة العجز المهين لأمة
خرجت من التاريخ
واندفعت تهرول كالقطيع إلى حمى الأعداء..
في عينها اختلطت
دماء الناس والأيام والأشياء
سكنت كهوف الضعف
واسترخت على الأوهام
ما عادت ترى الموتى من الأحياء
كُهّانها يترنحون على دروب العجز
ينتفضون بين اليأس والإعياء
ماذا تبقى من بلاد الأنبياء؟
من أي تاريخ سنبدأ
بعد أن ضاقت بنا الأيام
وانطفأ الرجاء
يا ليلة الإسراء عودي بالضياء
يتسلل الضوء العنيد من البقيع
إلى روابي القدس
تنطلق المآذن بالنداء
ويطل وجه محم
د يسري به الرحمن نوراً في السماء..
الله أكبر من زمان العجز..
من وهن القلوب.. وسكرة الضعفاء
الله أكبر من سيوف خانها
غدر الرفاق.. وخِسة الأبناء
جلباب مريم لم يزل فوق الخليل يضيء في الظلماء
في المهد يسري صوت عيسى
في ربوع القدس نهراً من نقاء
يا ليلة الإسراء عودي بالضياء
هزي بجذع النخلة العذراء
يتساقط الأمل الوليد
على ربوع القدس
تنتفض المآذن يبعث الشهداء
تتدفق الأنهار.. تشتعل الحرائق
تستغيث الأرض تهدر ثورة الشرفاء
يا ليلة الإسراء عودي بالضياء
هزي بجذع النخلة العذراء
رغم اختناق الضوء في عيني
ورغم الموت.. والأشلاء
مازلت أحلم أن أرى قبل الرحيل
رماد طاغية تناثر في الفضاء
مازلت أحلم أن أرى فوق المشانق
وجه جلاد قبيح الوجه تصفعه السماء
مازلت أحلم أن أرى الأطفا
ل يقتسمون قرص الشمس
يختبئون كالأزهار في دفء الشتاء
مازلت أحلم…
أن أرى وطناً يعانق صرختي
ويثور في شمم.. ويرفض في إباء
مازلت أحلم أن أرى في القدس يوماً
صوت قداس يعانق ليلة الإسراء..
ويطل وجه الله بين ربوعنا
وتعود.. أرض الأنبياء
فاروق جويدة

الأحد، 11 يناير 2009

ما هى غزة ؟

ما هى غزة ؟

الوضع فى غزة لا يحتاج المزيد من الكلمات فالكل يعرف والكل يصمت وأنا كالعادة لا أتحدث هنا عن موقف الحكومات ، فعلى الرغم من الحرب الإعلامية لتى شنت فى الفترة السابقة من البعض على مصر واثبات البعض لخطئها فى موضوع المعبر وعدم التدخل العسكرى وعدم وعدم
إلا أننى ما زلت أرى أن أحسن المواقف هو موقف مصر سواء على المستوى الحكومى أو الشعبى ، ففى الوقت الذى يتحرك فيه البعض من خلال الخطب والشعارات نجد مواقف المصريين ( على الرغم من عدم رضاى عن المستوى) أفض المواقف حيث دعا البعض إلى
التبرع وإلى تعريف العالم بالقضية من خلال مخاطبة المؤسسات الإنسانية فى العالم وبكل اللغات ، كما أن موقف الفنانين المصريين كان جميلا ودعوتهم إلى التضامن مع غزة يدل على صدقهم فى الإحساس بالمشكلة .
كما أن
موقف المغاربة يستحق الإشادة به وسط كل تلك المواقف السلبية .
وأريد أن أبين نقطة صغيرة فى الردود على الموضوع السابق وهو أننى عندما استدللت بالمقاطعة لم أكن أدعوا إليها وحدها فهى جزء مما يمكن أن نفعله ويجب أن نفعله ولكن معه الكثير على المستوى الحكومى والشعبى
كما أن البعض قال بأننا لا ننتج شيئا وأقول لا بل ننتج الكثير ولكننا لا نبحث ، ولكن هناك منتجات لا يمكن الإستغناء عنها مثل بعض الأدوية وهذه لا أتحدث عنهاولكن هناك الكثير مما يمكن الإستغناء عنه .

نأتى للمشكلة الرئيسية بخصوص غزة وهى أن الناس يتعاملون من منطق أن الحرب محصورة فى نطاق أربعين كيلو متر مربع هى مساحة غزة ، وفى رأيي أن الموضوع يتخطى ذلك ،
فاسرائيل وضعت حجتها فى تضرب غزة بأن صوايخ القسام تزعجها بشدة ويجب اسكاتها فى حين أن الصوايخ على الرغم من التأثير النفسى لها ، لا يمكن أن تبرر كل تلك الحشود الهائلة التى تحشدها اسرائيل واستدعاء الإحتياطى الكبير مما يعنى الخسائر الإقتصادية والتكاليف الكثيرة ، ولا يمكن منطقيا أن يكون كل هذا من أجل حماس مهما حاول البعض من الكلام عن قوتها ، ولكن المشكلة هى فى صراع اثبات القوة فى المنطقة حيث يمثل ضرب حماس وهى أحد أيدى إيران فى المنطقة بمثابة صفعة على وجهها مع استعراض اسرائيل لأسلحتها المختلفة أثناء المعركة .
ومما يدل على ذلك حالة الذعر التى أصابت إيران وحليفاتها سوريا وحزب الله وبدئهم الحرب الكلامية محاولين الزج بمصر فى الحرب بدلا من أن يخوضونها بأنفسم على الرغم من أن اسبابهم أكبر منا فلبنان ما زال بها مساحات واسعة خارج سيطرتها ولم يفلحوا فى استعادتها على الرغم من كل الشعارات التى يرددونها خلال الفترة السابقة ، وسوريا ما زالت هضبة الجولان كاملة محتلة ويوجد بها مستوطنات اسرائيلية منذ احتلال سيناء ولم ينجحوا فى تحريرها حتى الآن وهذا معناه انه لن يلومهم أحد إذا دخلوا الحرب ولكنهم فضلوا البقاء فى جحورهم ودفع مصر من خلال تهييج الشعور الوطنى إلى إتخاذ خطوات تجعلها تقع فى الفخ وتقوم بخطوات غير محسوبة ، وفى هذه الجزئية اتفق مع الحكومة فى موقفها .
كما أرجوا من كل من يعرف كيف يتصل بحماس والفصائل الفلسطينية أن يبلغهم أن يتوقفوا عن انشغالهم بالصراع على سلطة وهمية غير موجودة لأرض مغتصبة لم تعد بعد ، وأذكرهم
بكلمات شهدائهم الراحلين الذين ضربوا أروع الأمثلة فى التضحية من أجل وطنهم ، وأقول : لن تتحرر أرض لم تجتمع كلمة أبنائها على تحريرها أبدا .
اللهم وفقنا وإياهم لما فيه خير هذه الأمة .

السبت، 3 يناير 2009

ما هى غزة ؟

اعتذار عام لكل الشعوب
تم قطع التعليق على مباراة الاسماعيلى وفريق ما لإذاعة خبر الهجوم البرى على غزة
وقد تم معالجة الأمر بسرعة والعودة لإذاعة التعليق نظرا لأولويته القصوى فى هذا التوقيت
يا أمة لم تعد تضحك عليها الأمم بل تنظر مذهولة من الإنحطاط التى وصلت إليه
ولم يسبق له مثيل
*************************************************************
ما هى غزة ؟



ما يحدث الآن فى غزة لا يمكن أن يراه انسان على وجه الأرض ويظل صامتا فهى جريمة نكراء بكل المقاييس وبالفعل نرى المظاهرات تجتاح العالم بالتنديد
ولكن هل التنديد كل ما نمتلكه هل كل ما يملكه كل منا فى سبيل محو الحزن من عيون تلك الطفلة البريئة

هو أن نندد ونخرج إلى الشواع هاتفين يسقط الاستعمار وعاشت غزة حرة مستقلة ؟
هل الإنسان الذى لا يملك الإرادة كى يقاطع منتجاتهم قادر حقا على حمل السلاح والوقوف فى وجوههم ومحاربتهم كما يهتف ؟
هل إذا كنت غير قادر على ألا يشرب المياه الغازية قادر على أن قادر على أن يصب على لهيب المعركة ؟
هل الإنسان غير القادر على ألا يأكل الشيكولاته والكيك والرولز قادر على أن يصبر على الجوع فى ظل الحصار المصاحب للحروب ؟
فليجبنى دعاة الحرب إن استطاعوا
ولكن قبل أن يجيبوا ليسألوا أنفسهم أولا هل الحرب فى غزة فقط ؟
المتابع لمواقف السياسة الدولية يجب أن يرتجف خوفا إن كان أشجع الرجال فالأمور تتبدل سريعا والأمور لم تعد كما كانت ، وهناك أطراف تحرك العديد من الأمور فى الخفاء لتقود العالم إلى هوة عميقة .
فجأة وعلى حين غرة وبعد فترة من هدنة بين الهند وباكستان نجد الأمور قد اشتعلت كثيرا وبطريقة غير مفهومة وبدون سبب اللهم إلا إلهاء العالم بالقضية مخافة أن تكون حرب نووية بين الجارتين المشاكستين مع تحرك قوات كل منهما إلى الحدود المتاخمة للأخرى .
القراصنة الصوماليون الذين ظهروا فجأة وعلى حين غرة وبدون أى أسباب مقنعه ، مما استدعى تواجد قوات ألمانية فى هذا المكان الإستراتيجى وبعدها خرجت القوات الصينية لأول مرة لترابط هناك وبقوات كثيفة واليابان وبعد ذهاب قواتها لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية إلى العراق نجدها تعلن أنها تجهز مجموعة من المدمرات لإرسالها إلى هناك ، أما عن روسيا فقد سبقت الجميع وأعلنت بدء تجهيز قوات لها للتمركز هناك والبقاء إلى حين استئصال القراصنة تماما ، فهل كل تلك التجهيزات وهذا الزحام الشديد من القوات من أجل القراصنة ؟
وبعد كل هذا نأتى إلى تداعيات ماحدث فى الأرض المحتلة
أولا صراع داخلى يتزايد بين حماس وفتح وبعيدا عن من منهم على حق ومن على باطل فهم لن ينتصروا إلا إذا تمسكوا بحبل الله جميعا ووقفوا جبهة واحدة ضد المستعمر كما حدث فى مصر فلم نكن نسمع عن أى صراع داخلى إلى أن عادت سيناء إلينا ، أما هناك فالأمور كما نرى جميعا لا أحد منهم ينتبه للقضية الرئيسية ومنشغلين جميعا فى حرب إعلانية متبادلة بينهم لا يعلم متى تنتهى إلا الله ، فى حين أن الإسرائيليين يجمعون القوات بكثافة مما يشى بعملية ضخمة .
وفى خضم كل هذا نجد هجوما واسعا على مصر من مختلف الجهات فالبلاد العربية جميعا تقوم فيها المظاهرات ضد موقف مصر من الأزمة على الرغم من أنه أفضل المواقف فى هذا التوقيت ، ومع هذا فالبعض من كنا نساعدهم فى حربهم وتم تقديم العون لهم أثناء وبعد الحرب ، أصبحوا يهتفون بشعارات غريبة ، فين حين أن أن من يتبعونهم ليس لهم تحرك واضح حتى الآن فى توقف غريب ومحير بعد الضجة الإعلامية التى أثاروها طوال السنوات الماضية ، ووصل الأمر إلى الهجوم على إحدى السفارات المصرية فى تحرك غير مفهوم ، أما على الحدود ففى الوقت الى تتابع فيه الإمدادات المصرية إلى غزة يقو بعض الأفراد بالهجوم على نقاط الحدود متسببن فى إشاعة الكراهية ضدهم نتيجة استشهاد ضباط مصريين ، أما عن أمريكا فقد ظهر فجأة أن مصر أهم دول العالم وأن بيدها حل المشكلة وأن كل المؤتمرات التى قامت بها أمريكا من قبل ليس لها قيمة وأن على مصر أن تقوم بحل المشكلة وإلا فهى مقصرة وسيتم التعامل معها على هذا الأساس بعد ذلك ، كل هذا يأتى بعد التوقعات التى ظهرت بعد بداية الأزمة الإقتصادية بأن أمريكا ستلجأ إلى محاولة خلق توتر فى المنطقة لزيادة أسعار البترول مما يساعد فى التقليل من حجم الخسائر وهو ما حدث حيث زادت اسعار البترول 12% نتيجة عدم ضمان وصول البترول مع ما يحدث فى غزة والتوقع بحرب وشيكة وربما واسعة .
الآن هل يمكننى أن أسمع إجابة سؤالى ؟